شرائح الكهرباء الجديدة.. “كابوس” الفاتورة يلاحق السوريين

أثار قرار تعديل أسعار التعرفة الكهربائية، الذي صدر مؤخرًا، جدلًا واسعًا بين المواطنين وقطاعات الإنتاج من معامل وورشات على حد سواء، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السوريون.
وعقب رفع الأسعار، أصبح حديث الكهرباء الشغل الشاغل للسوريين على مختلف المستويات، دون أن تتضح بعد خطة الحكومة للاستجابة لهواجس الشارع.
تم إجراء استطلاع للتعرف إلى رأي السوريين في تعرفة الكهرباء الجديدة، ومدى تناسبها مع مستوى الدخل في سوريا.
ورأى 83% من أصل 2550 شخصًا شاركوا في الاستطلاع، أن التعرفة الجديدة لا تناسب الدخل، بينما اعتبر 17% أنها مناسبة.
مع التدهور المستمر في القدرة الشرائية للمواطنين في سوريا، والظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الكثيرون، أثار خبر تعديل تعرفة الكهرباء موجة من الجدل والغضب بينهم، إذ إنه سيؤثر بشكل مباشر على حياتهم.
فبينما يرى بعضهم أن زيادة الأسعار قد تكون ضرورية لمواجهة العجز في قطاع الكهرباء وتطويره، يتساءل آخرون عن مدى قدرة الأفراد على تسديد الفواتير.
وباتت فاتورة الكهرباء المرتقبة “كابوسًا” يطارد موظف حكومي، بين ما يجب دفعه وما يمكن التنازل عنه، كي يتمكن فقط من تسديد الفاتورة في موعدها، في حين يعجز دخله الشهري عن تغطية أبسط احتياجات أسرته.
ولم تعد المسألة بالنسبة له مرتبطة بتوفير الكهرباء بقدر ما أصبحت “معركة بقاء يومية”، بحسب تعبيره، فكل تحسن في التغذية الكهربائية بات يعني بالنسبة له ارتفاعًا جديدًا في التكاليف، إذا ما تغير دخله وصدقت الحكومة في وعودها بزيادة الأجور الشهرية.
وتقضي ربة منزل من حي الميدان بدمشق، معظم وقتها في التفكير بكيفية ترشيد استهلاك الكهرباء في منزلها، خشية أن تتجاوز فاتورتها الشهرية حد 300 كيلوواط، الذي رسمته لنفسها كخط “أحمر لا يجوز تجاوزه”.
ولا تختلف عن كثير من المواطنين، الذين باتوا يحسبون بدقة ساعات تشغيل الأجهزة الكهربائية في منازلهم، ويتردون في تشغيل السخان بغرض الاستحمام، وينظمون دورات غسل الملابس في أيام محددة ضمن الأسبوع، لتتحول إدارة أمل لشؤون المنزل إلى عملية مراقبة مستمرة للأجهزة، تخشى فيها أن يؤدي أي خلل بسيط إلى زيادة في العداد لا قدرة للأسرة على تحملها، “لم يعد القلق من انقطاع الكهرباء، بل من استهلاكها، بعد أن أصبحت الفاتورة بندًا أساسيًا يهدد توازن ميزانية البيت كل شهر”، بحسب تعبيرها.
أمين سر جمعية حماية المستهلك والخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة، قال إن عدم تناسب التعرفة الكهربائية الجديدة مع دخل المواطن يعد أمرًا بديهيًا، مشيرًا إلى أن رواتب المواطنين لا تتجاوز مليونًا ونصف مليون ليرة سورية بحدها الأقصى.
وأضاف حبزة أن من يتقاضى مليون ليرة، سيدفع نحو 300 ألف ليرة فاتورة كهرباء، أي ما يعادل ثلث راتبه تقريبًا، وهذا لا يتناسب بأي شكل مع الدخل الحالي.
وأشار حبزة إلى أن أي ارتفاع في حوامل الطاقة بشكل عام، سواء كان البنزين أو المازوت أو الفيول أو الكهرباء، يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على دخل ومعيشة المستهلك، معتبرًا أن ارتفاع أسعار الكهرباء تحديدًا سينعكس بصورة مباشرة على الاستهلاك المنزلي.
وبيّن حبزة أن المواطن بات بالكاد يؤمّن حاجاته الغذائية، فموضوع الغذاء أصبح عبئًا يصعب تأمينه أصلًا، منوهًا إلى أنه أوضح سابقًا أن الدخل الشهري للمواطن يجب أن يتراوح بين خمسة وسبعة ملايين ليرة قبل التفكير بزيادة أسعار الكهرباء، حتى يتمكن فقط من البقاء على قيد الحياة.
كما يبرر صاحب محل لبيع اللحم الأحمر في سوق الطبالة، أن رفع الأسعار لم يعد خيارًا بيده، بل ضرورة تفرضها التكلفة، فكل كيلو من اللحم الذي يعرضه على زبائنه يمر عبر سلسلة طويلة من التكاليف، من التبريد والنقل حتى فواتير الكهرباء الشهرية.
ويجد نفسه أمام معضلة، فإن لم يرفع السعر، سيخسر رأس ماله، وإن رفعه، سيخسر بعض زبائنه، لكنه يعتبر أن الاستمرار بالبيع بالأسعار القديمة يعني الإغلاق عاجلًا أم آجلًا.
مدير حماية المستهلك وسلامة الغذاء في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك حسن الشوا، يرى أن القرار الأخير لم ينعكس على أسعار السلع في الأسواق، إذ لم تُسجّل أي زيادة بعد صدور القرار، بحسب بيانات دائرة “سبر الأسعار” التي ترصد حركة الأسعار في جميع المحافظات.
وأشار إلى أن الزيادة في تكلفة الكهرباء لم تُحدث فرقًا ملموسًا على أسعار البيع، لأن تأثيرها موزّع على عدد كبير من المواد والقطع ضمن المحل الواحد، ما يجعلها غير مبرر لرفع الأسعار، وشدد على أن المديرية تتابع يوميًا مؤشرات الأسعار عبر دائرة “سبر الأسعار”، التي تجمع بيانات من عشرة مصادر مختلفة لكل مادة أساسية، مما يتيح معرفة أي تغير في الأسعار بشكل فوري.
وأكد أن الأسواق السورية تشهد في الوقت الحالي انخفاضًا ملحوظًا في أسعار عدد من المواد الأساسية، بعد فترة من الارتفاع، موضحًا أن التجار أبدوا وعيًا عاليًا في التعامل مع الظروف الاقتصادية الراهنة، وأن هناك حسًا وطنيًا عامًا لدى المواطنين والتجار معًا للحفاظ على استقرار الأسعار وحماية المستهلك.
المصدر: عنب بلدي
